صديق الحسيني القنوجي البخاري
95
فتح البيان في مقاصد القرآن
مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ [ النساء : 3 ] أي ما كانت لكم قدرة عليه ، وليس الملك لليمين دون الشمال وسائر الجسد ، ومنه قوله سبحانه لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ [ الحاقة : 45 ] أي بالقوة والقدرة ، وليس يريد به طيا بعلاج وانتصاب ، وإنما المراد بذلك الفناء والذهاب ، يقال قد انطوى عنا ما كنا فيه ، وجاءنا غيره ، وانطوى عنا ، وهو بمعنى المضي والذهاب قال الخازن اليمين ليس عندنا بمعنى الجارحة ، وإنما هي صفة جاء بها التوقيف فنحن نطلقها على ما جاءت ولا نكيفها ، وننتهي إلى حيث انتهى بنا الكتاب ؛ والأخبار المأثورة الصحيحة ؛ وهذا مذهب أهل السنة والجماعة ، قال سفيان بن عيينة كل ما وصف اللّه به نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت عنه اه . ومعنى الآية ما عظموه حق تعظيمه ، والحال أنه متصف بهذه الصفة الدالة على كمال القدرة ، والمقصود الإشارة إلى أن المتولي لإبقاء السماوات والأرض في هذه الدار هو المتولي لتخريبهما يوم القيامة ، وذلك يدل على قدرته التامة على الإيجاد والإعدام ، وأنه غني على الإطلاق فإنه إذا حاول تخريب الأرض يقبضها ويزيلها وتخريب السماوات يجمعها كالسجل المطوي . أخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي هريرة قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « يقبض اللّه الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه ثم يقول : أنا الملك أين ملوك الأرض » « 1 » ؟ . وعن ابن عمر قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول « يطوي اللّه السماوات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول : أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون أين ملوك الأرض » « 2 » ، أخرجه الشيخان وفي الباب أحاديث وآثار تقتضي حمل الآية على ظاهرها من دون تكلف لتأويل ولا تعسف بقال وقيل ، ثم نزه سبحانه نفسه فقال : سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ به من المعبودات التي يجعلونها شركاء له مع هذه القدرة العظيمة - والحكمة الباهرة . [ سورة الزمر ( 39 ) : آية 68 ] وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ ( 68 ) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ هذه هي النفخة الأولى ، والصور هو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل وقد تقدم غير مرة ، وقد قيل : إنه يكون معه جبريل لحديث أبي سعيد الخدري قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن صاحبي
--> ( 1 ) راجع تخريج الحديث السابق . ( 2 ) تقدم الحديث مع تخريجه .